محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

120

شرح حكمة الاشراق

فإذا كان الاستقراء عبارة عن هذا ، فنعلم أنّ حكمنا على كلّ إنسان ب « أنّه إذا قطع رأسه لا يعيش » ، ليس إلّا حكما على كلّىّ بما صودف في جزئيّاته الكثيرة ، إذ لا مشاهدة للكلّ . وليس هذا مثل حكمنا على أنّ « كلّ إنسان حيوان » ، لأنّه ليس بناء على مشاهدة كثير من جزئيّاته ، بل نظرا إلى نفس الطّبيعة والماهيّة . والاستقراء قد يفيد اليقين ، إذا اتّحد النّوع ، كما في المثال المذكور ، إذ كان الاستقراء تامّا ، كما مرّ . وإذا اختلف ، النّوع ، قد لا يفيد اليقين . وإنّما قال : « قد يفيد اليقين » لأنّه قد يفيده مع اختلاف النّوع ، وذلك إذا كان تامّا ، كحكمك بأنّ « كلّ حيوان يحرّك لدن مضغه فكّه الأسفل » ، استقراء بما شاهدت ، ويجوز أن يكون حكم ما لم تشاهده ، كالتّمساح ، بخلاف ما شاهدته ، لأنّه يحرّك عند المضغ فكّه الأعلى . ومن الحدسيّات « المتواترات » ، وهي قضايا يحكم بها الإنسان لكثرة الشّهادات ، من المخبرين ، فإنّه لو حصل اليقين بقول واحد كان حدسا ، لا تواترا ، إذا المعتبر فيه الكثرة ، يقينا ، بشرط عدم امتناع المخبر عنه ، والأمن من التّوافق على الكذب ، وانتهائها إلى من شاهد المخبر عنه ، كالحكم بوجود مكّة في زماننا ، ووجود جالينوس وغيره في أزمنة متقادمة . ويشترط فيه استواء طرفي ذلك الزّمان وواسطته في حصول العدد التّواترىّ . وإنّما ترك ذكر اشتراط كونه مسندا إلى الحسّ ، لظهوره ، فإنّه لو أطبق أهل العالم بالإخبار على أنّ « العالم قديم أو محدّث » ، أو على اجتماع النّقيضين ونحوهما ، لما أفاد إخبارهم يقينا ، لأنّه عن أمر معقول ، لا عن محسوس . وإلى الشّرطين أشار بقوله : فيكون الشّىء ممكنا في نفسه ، وتأمن النّفس عن التّواطؤ . واليقين هو القاضي بوفور الشّهادات ، لأنّه إذا حصل علم أنّ عدد الشّهادات قد تمّ . وليس لنا أن نحصر عددها ، أي : عدد الشّهادات ، في مبلغ معيّن . كما حصره بعض أهل النّظر في عدد ، كمن حصره في أربعين ، الّذى به تنعقد الجمعة في بعض المذاهب ، أو ثلاثمائة وثلاثة عشر ، عدد أهل البدر ، إلى غير ذلك من تحكّماتهم الباردة . فإنّ ذلك لا يتعلّق بعدد يؤثّر النّقصان والزّيادة فيه ، لحصول